كريم نجيب الأغر
456
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
6 - عمليات خروج الحليب : * قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يحرّم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام » [ أخرجه الترمذي ح 56 ] . بعد أن تبيّن لنا مدى الإعجاز العلمي في الآية الكريمة لنتابع معا رحلتنا مع اللبن بعد أن رأينا أنه يخرج من الطعام إلى الدم ، ثم من الدم إلى الثدي : لنر ما ذا يحصل في الثدي . يلقي الضوء على هذا الأمر الحديث التالي : « لا يحرّم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام » . نفهم من هذا الحديث أن التحريم مرتبط بعملية فتق ، وعملية الفتق هذه تحصل للأمعاء المذكورة في الحديث ، وهذه الأمعاء موجودة داخل الثدي « 1 » .
--> ( 1 ) فسّر بعض العلماء الحديث : « لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام » [ أخرجه الترمذي ح 56 ] على أنه يعني : لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق أمعاء الطفل وهو في سن الرضاع . وذلك لأنهم قاسوا هذا الحديث على الحديث : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ إبراهيم ابني ، وإنّه مات في الثّدي ، وإنّ له لظئرين تكملان رضاعه في الجنّة » [ أخرجه مسلم ح 96 ] . فاعتمدوا في تفسيرهم على ما جاء في بعض كتب شروح الحديث مثل : صحيح مسلم بشرح النووي - كتاب الفضائل - باب رحمته الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك - رقم الحديث 2316 - ( ج 8 / ص 85 ) : « قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : ( وإنه مات في الثدي وإن ظئرين تكملان رضاعه في الجنة ) معناه مات وهو في سن رضاع الثدي أو في حال تغذيه بلبن الثدي » . ففهموا أن عبارة « في الثدي » تشير إلى سن الرضاع ، وأرجعوا بذلك الأمعاء للطفل لعدم اكتشافهم حقيقة العلم الكوني في هذا المجال ، ولأن الأمعاء غالبا ما يشاربها إلى مسالك الطعام الموجودة في البطن . غير أن هذا التفسير أخطأ الصواب والله تعالى أعلم ، بل وأشار إلى عكس ما تدلّ عليه المعطيات العلمية ، فقول العلماء في هذا الخصوص بأن اللبن عليه أن يفتق أمعاء الرضيع يقتضي أنه لا يوجد فتوق في أمعاء الرضيع ، غير أن العلم الحديث يعلمنا أن لدى الرضيع في سن مبكرة ممرّات ( أو فتوق صغيرة ) تمر عبرها بروتينات اللبن البقري ( في حال تغذّيه من لبن البقر ) بدون أن تتعرّض للهضم وتسبب في كثير من الأحيان حالة مرضية عند الطفل . فالفتوق في هذه الحالة موجودة ابتداء لدى الجهاز الهضمي للطفل على عكس ما أشار إليه أغلب مفسّري الحديث الشريف ، وهذه الفتوق لا تحدث من جراء شرب اللبن ، ولا تلعب دورا إيجابيا ( كإنبات اللحم وإنشاز عظم الرضيع على نحو سليم ) كما يشير إليه الحديث الشريف : « لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام » [ أخرجه الترمذي ح 56 ] . وهي بالتالي لا تسبب التحريم ( انظر مبحث « رعاية الخلق : الرضاعة / حكمة تحديد مدّة الرضاعة بسنتين » ) . ومن هذا الكلام نفهم أننا لا نستطيع أن نفسّر حديثا بحديث آخر استعمل فيه المجاز ، ونستخلص من هذا المجاز تفسيرا لحديث آخر وذلك أن المجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة ( كتاب أصول الفقه الإسلامي ، د . إبراهيم السلقيني ، ص 238 ) ، وهو بالتالي لا يشكل منطلقا جيّدا لتفسير حديث آخر - إلا في حال تعذر الوسائل الحقيقية - لأن هذا اللفظ لم يستعمل فيما وضع له أساسا وبالتالي فلا يعتبر معنى مطردا ، ولا نستطيع إذن أن نعتمده إلا في حال وجود قرينة تدفعنا لاعتماد هذا التفسير . فالقاعدة - كما ذكرناها في مبحث « تعريف الإعجاز العلمي في القرآن والسنة والأسس التي يرتكز عليها » / باب « قولنا ( معان . . . صريحة في دلالتها ) » - هي : أن لا يخرج اللفظ من الحقيقة إلى المجاز إلا بقرينة كافية .